هل ستكون بجانبي؟- كتبتها: ريهام زهران

 







اليوم السابع.. مر أسبوع على رحيلها.. كان قرارها.. كلانا يشعر بالحزن.. .. سبعة أيام .. سبعة أيام يطل علينا الشمس والقمر في البعد.. سأمت من كثرة أسفاري وانشغالي فقررت أن تبتعد في وجودي لتذيقني بعضا مما أذقتها..

-أريدكَ أن تتفهّم رغبتي في أن أكون بمفردي لفترة.. سأعود لمنزل والدي.. هو مغلق الآن على أية حال لسفر أمي.. سأعود عندما أكون قادرة على التواصل .. أنا حقا في حاجة لوحدتي

وأضافت وهي تغالب دموعها

-  مع أنني أعيش بصبحة وحدتي طوال الوقت تقريبا..

رجوتها أن تنتظر ولنتحدث عما يضايقها..

= يمكننا حل الأمور بالتحدث عنها لا بالهروب..

أجابتني

 – تعلم جيدا أنني تحدثت كثيرا عما يثير ضجري.. لكنك لم تستمع.. اليوم لا طاقة لدي للحديث.. أريد أن أكون بمفردي.. أرجوك .. تفهّم ما أمر به...

أعرف جيدا أنها تشعر بالحزن.. لم يكن أمامي سوى موافقتها ..على أمل أن ينتهي ذلك في أقرب وقت.. خاصة أن لدي رحلة عمل قريبة قد تستمر لبضعة شهور..

يا إلهي .. أتمنى أن تتفهّم أيضا أن بعدي عنها يقلتني.. لا يمكنني الاستمتاع بأي شيء بينما يقتلني حنيني إليها.. كل شيء ينقصه وجودها ليكتمل جماله.. لكن علينا أن نتحمل كل ذلك لنتمكن من تأمين مستقبل أطفالنا .. لطالما حلمنا ببيتنا وكيف سنملأه بضحكاتنا وضحكات أطفالنا وصيحاتهم بحماس بينما يلعبون في أرجاءه.. حلمنا أن نشتري بيتا ذا حديقة واسعة نملؤها بأزهارنا المفضلة .. في أحد جوانبها أرجوحة و بعض الألعاب. نجلس ليلا مع ضوء خافت لنستمتع بنسمات الهواء وضوء القمر والنجوم .. وأهمس لها أحبك وسأظل أحبك لآخر العمر .. فترد كعادتها بابتسامة متصنعة الضيق وتقول " وبعد آخر العمر؟ ستحب أخرى؟ لا.. أنا سأحبك إلى ما لا نهاية."

كيف لنا أن نحقق كل هذا بدون بعض التضحية .. لكن للحق، اكتشفنا أن تلك التضحية أكبر من تحمل كلانا..

مرت الأيام السبعة.. ثقال.. البيت خالٍ .. بلا روح.. أستيقظ .. أقوم بتشغيل التلفاز.. بأعلى صوت ممكن ..ليغطي صوته على ذلك الضجيج في عقلي            .. أشعل سيجارة .. وأحضر قهوتي.. مُرة.. كما أحبها.. لكنني الآن أشعر بمرارتها أكثر من أي وقت مضى.. البعد في سفري مؤلم لكنه الآن أكثر ألما وأنا في بيتنا بدونها..

اليوم كعادتي في الأيام السابقة استيقظت.. أشعلت سيجارة.. صوت التلفاز مرتفع .. دلفت للمطبخ لأحضر قهوتي.. وبينما أنا منهمك في تحضير القهوة سمعت صوت المذيعة :

-          ودّعوا أحبابكم.. فاليوم هو الأخير على هذه الأرض..

 

هرعت للصالة.. وقفت مدهوشا أمام الشاشة التي علتها جملة (اليوم الأخير) وعد تنازلي بالساعات (16 ساعة)..

 شريط الأخبار في الأسفل (أنباء مؤكدة عن رصد نيزل يتحرك باتجاه الأرض ...تأكد موعد اصطدام النيزك بالأرض في الثانية عشرة منتصف الليل.. ودعوا أحباءكم إنه اليوم الأخير.. تعطل جميع المصالح الحكومية وشركات القطاع الخاص.. حالة هلع تسيطر عن العالم بعد تأكد نهاية الحياة على الأرض في تمام الثانية عشر منتصف الليل )

كنت أقف مصدوما أمام الشاشة بعينيان متسعتان فاتحا فمي من أثر الصدمة.. أحسست بدوار فتراجعت خطوة للوراء وألقيت بجسدي على الأريكة...

 

كانت الساعة تشير للثامنة صباحا..

= يا إلهي.. ما هذا؟ ربما هناك خطأ ما.. لا بل هذه مزحة من هذه القناة .. لأغير القناة ، ومؤكد أنني سأتأكد أنها مزحة سخيفة ..

التقطت جهاز التحكم بالتلفاز عن بعد.. وقمت بتغيير القناة.. نفس الكلمات تمر أمام عيناي.. قمت بتغيير القناة عدة مرات .. حتي وصلت لقناة للأغاني.. نفس العد التنازلي وبأسفل الشاشة تمر نفس الكلمات على شريط الأخبار بينما تذيع القناة أغنية بالانجليزية "لو أن العالم سينتهي. ستأتي لتكون بجانبي. صحيح؟

كانت دوما ترسل لي هذه الأغنية أثناء سفري.. فأجيبها " صحيح".. فتجيبني بصورة لوجه حزين..

الآن وددت لو أنها بجانبي.. فقط..

= لو أن العالم سينتهي، لا يهمني سوى وجودها بجانبي.. يا إلهي!! ليتني ما ضيعت دقيقة واحدة في البعد عنها..

غطيت وجهي بكلتا يدي وبكيت بحرقة..

=هل ستتقبل أن تكون بجانبي الآن؟ أم أنها كرهتني ولن تتقبل قضاء آخر ساعاتها على الأرض معي؟

سمعت صوت هاتفي معلنا وصول إشعار من تطبيق فيسبوك.. التقطته .. وجدت أنها وضعت منشورا جديدا.. تفحصته.. وجدتها قد نشرت نفس الأغنية مع قتباس "صحيح؟" وبجانبه وجه حزين..

دق قلبي بقوة.. أرسلت لها رسالة "صحيح" .. هرعت لغرفتي .. بدّلت ملابسي وانطلقت بسيارتي بأقصى سرعة لمنزل والدها.. هناك، وجدتها تنتظرني في الشرفة .. صعدت السلم بسرعة.. رأيتها تنتظرني عند الباب.. احتضنتها بقوة.. كان كلانا يبكي ..

-          اشتقت إليك (قالتها من بين دموعها بينما تشهق بالبكاء)

= وأنا أيضا اشتقت إليك بشدة.. هيا بنا.. لن نضيع ثانية واحدة .. لنذهب لكل مكان أحببناه .. لنستمتع بكل دقيقة .. ولينتهي العالم وإنتِ بين ذراعي.. لا يوجد على الأرض ما هو أفضل من ذلك أبدا..

جرينا على السلم كطفلين .. ثم صرنا نتسابق و نقفز على درجاته.. خرجنا للشارع.. أمسكت بيدها كطفل يخشى الضياع من أمه في الزحام.. حتى مع خلو الشارع من المارة .. ركبنا السيارة .. رفعت صوت الموسيقي بأقصى درجة ممكنة .. " لو أن العالم سينتهي، ستأتي لتكون بجانبي. صحيح؟" صرنا نغني بصوت مرتفع..

أوقفت السيارة على جانب الطريق ونزلنا لنتمشي بالقرب من البحيرة.. لاحظنا لافتات كبيرة على كل المطاعم (الطعام مجاني) وبينما يجلس الكثير من أطفال الشوارع لالتهام الطعام على طاولات المطعم التي انتشرت على الأرصفة من شدة ازدحام المكان داخل المطاعم، كان يمر بينهم عدد من الشباب يقومون بتوزيع الملابس الجديدة على كل منهم.. وأصوات تنطلق من مكبرات الصوت (من كان بلا مأوى فليَحضر للحصول على مفتاح منزله اليوم بلا مقابل). تبعه صوت آخر (من أراد السفر أو الانتقال لأي مكان.. لدينا حافلات ستنطلق مجانا لكل أنحاد البلاد).

فجأة صارنا في المدينة الفاضلة. لكن على عكس المفترض، كانت أعين الناس ملأى بالحزن.. الجميع يعلم أنه سيغادر الحياة بعد ساعات.. ولا حيلة لأي من كان في ذلك..

نظرت لها..

=نهاية ولا أروع للعالم.. الكون صار طيبا، وأنتِ بجانبي..

ضغطتُ بخفة على يدها بين أصابعي.. فضغطَت على يدي قائلة

-أحبك

صرنا نجري في الشارع ونتسابق.. تشجع آخرون وصاروا يتسابقون ويضحكون .. وجدنا تجمُّعا لأشخاص أظنهم يشبوهننا.. قرروا الاستمتاع بآخر ساعات .. يرقصون على أنغام موسيقي نحبها.. فشاركناهم الرقص..

أكلنا طعامنا المفضل .. وكان أفضل طعام تذوقناه.. ربما لأنه الأخير.. أو لأن الطهاة أتقنوا صنعه لاقتراب النهاية.. لا أعرف، لكن المؤكد أنه زاد من استمتاعنا بتلك السويعات..

تركنا هواتفنا ومتعلقاتنا على الشاطيء، ونزلنا البحيرة بكامل ملابسنا وصرنا نلعب بالماء ونضحك بصوت مرتفع..

ظلت شركات الاتصال ترسل رسائلا بالعد التنازلي.. رسالة كل ساعة بعدد الساعات المتبقية في عمر الأرض متبوعة بجملة (استمتعوا بقضاء الساعات الأخير بين أحباءكم) وجملة أضحكتني كثيرا (نتمتى لكم نهاية عالم سعيدة).

مر الوقت سريعا.. لا أعلم أيضا هل كان ذلك لأنه وقتا سعيدا أم كان لأننا نمتنى ألا يمر؟

(بقيت ثلاث ساعات على نهاية العالم .. استمتعوا بقضاء الساعات الأخير بين أحباءكم.. نتمتى لكم نهاية عالم سعيدة) انقبض قلبي وأنا اقرأ هذه الرسالة..

=هيا لنعود لبيتنا

لم تنبس بكلمة لكن وجهها صار شاحبا واختفت ابتسامتها وأومأت بالموافقة.

هرولنا للسيارة.. كنت أقود بأقصى سرعة.. وصلنا للمنزل.. صعدنا بسرعة.. كنا نلهث عند الباب.. فتحنا الباب ودلفنا .. كانت الرسائل قد وصلت لهواتفنا معلنة تبقي ساعتين على النهاية..

 أشعلَت شموعا وأنا وضعت تلك الموسيقى الهادئة التي تحبها .. جلست بجانبها على الأريكة.. ضممتها إلى صدري بشدة.. لفّت يداها حول جسدي بقوة..

همست لها

=أحبك إلى ما لا نهاية.. لو أن لي فرصة ثانية لما تركتك وحيدة أبدا..

-  وأنا أحبك بشدة.. عذبني بعدك كثيرا.. لو أن لنا فرصة ثانية لما تركتك ترحل بمفردك أبدا.. كنت لأرحل معك من بلد لبلد ولن يهمني سوى وجودك بقربي..

أغمضنا أعيننا.. غفت أعيننا ربما للحظة أو لبضعة لحظات..

أفقنا على أصوات هواتفنا تعلن وصول المزيد من الرسائل .. لم نتكلف عناء قراءتها.. نعرف أن قد تبقت ساعة واحدة..

مر الوقت.. دقت ساعة الحائط معلنة حلول منتصف الليل .. بكينا بينما يضم أحدنا الآخر بقوة أكبر.

مر الوقت ولم يحدث شيء.. ظللنا في حالة ترقب .. الآن سيحدث شيئا ما.. أو ربما قد حدث ولم نشعر ونحن الآن بين الأموات لكننا لم ندرك بعض.. حالة من السكون الشديد قطعتها أصوات هواتفنا معلنة وصول الكثير من الرسائل والاشعارات.. التقطتُ جهاز التحكم في التلفاز عن بعد وقمت بتشغيل التلفاز.. على الشاشة أطلت إحدي المذيعات تتحدث بصوت ملؤه السعادة (والسعادة تعم الكون كله بعد إعلان انحراف النيزك عن مساره ونجاة البشرية من الخطر.. الاحتفالات تملأ الشوارع في مختلف مدن العالم ....).

 

نظرت إليها .. كان وجهها يحمل مشاعرا مختلطة .. بين سعادة ورهبة..

= أعلم بم تفكرين؟

-حقا؟

= نعم، أعلم أنك تتساءلين"هل حقا لن يتركني وحيدة بعد الآن؟"..

أومأت بينما علت وجهها نظرات الترقب منتظرة إجابتي.

= هل تقبلين أن نجوب العالم سويا؟

أجابت بحماس

-ماذااا؟؟ أقبل بالطبع..

ضممتها إلى صدري..

=أعدك أننا لن نفترق حتي تحين نهايتي في هذه الحياة..

وضعَت يدها على شفتيّ

-فليبتعد عنك كل شر يا حبيبي.. أحبك

=أحبك إلى ما لا نهاية..

 

 أحيانا تجبرنا ضغوط الحياة على اختيارات نضحي في سبيلها بالكثير ولا نعرف قيمة ما ضحينا به سوى عند شعورنا بضياعه من بين أناملنا... ربما كان ذلك درسا قاسيا للكون كله، خاصة لي.. لكن الحياة لن تعطينا دوما تلك الفرص الثانية لنعوّض ما فوّتناه.. إن كان هناك درسا قد وعيته يومها، فهو أن لا شيء يعدل البقاء بالقرب ممن نحب.

 

Comments

Popular posts from this blog

رحلة - تكتبها ريهام زهران

قسوة