ماتبكيش






"     ما تغميش ، ما تبكيش" ينطلق الصوت مخترقاً أذنيها و يصل لقلبها مباشرة تاركا لمعة بعينيها تخفيها بابتسامة يشوبها الكثير من الانكسار. كانت كفراشة زاهية الألوان كلها طاقة و طموح و أحلام لغد أجمل و أروع. لكن الحياة توقفت فجاة عن السير في ذلك الخط الذي رسمته لها و خلعت قناعها الجميل ليظهر وجهها القبيح مليء بالندبات ..في الثلاثين من عمرها بقلب طفلة في الخامسة و عقل و حكمة امرأة في الخمسين .. لكن مجتمعها يأبى إلا أن يُقّيٍّمها بوجودها في ظل رجل ... ما ذنبها أنها لم تجد بعد من يطرق باب قلبها بعنف و يجبرها أن تفتح له الباب على مصراعيه و تسمح له بالدخول و السكن الأبدي بقلب ما وصفوه إلا بأنه كنبتة خضراء ندية لم يمسسها سوء و لا تُخرج إلا طيبا؟  أجبرها الجميع بضغط نفسي شديد أن تُسرع  بالزواج و الاحتماء من جحيم المجتمع، فكل بنات العائلة تزوجن زواجا تقليديا لتصبحن مقبولات من المجتمع و لم تشتكِ أيٌ منهن .. نعم إن ابنة خالتها تعلم تماما أن زوجها يخونها و ابنة عمها تعلم أن زوجها مدمن للمخدرات ، وابنة جارتها تشكو دائما من أن زوجها مدمن للمواقع الإباحية و يظل طوال الليل يحادث الفتيات على برامج المحادثات.. لكن على أية حال يكفي أنهن يعشن في كنف رجل بشكل يقبله المجتمع..

لم تكن الضغوط الدائمة و نعتها بالعانس الفاشلة إجتماعيا كافيةً، فما لبسوا أن اختاروا لها حائطا لتحتمي بظله. قالوا هو ميسور الحال هو الغني المتفتح ذو النسب و النفوذ .. وافقت على أمل أن يكون كما تتمنى .. ما إن قالت :"حسنا سأعطيه فرصة فهو كما يبدو ليس سيئا على أية حال" ،حتى انطلق أهلوها  لتحديد موعد زفافها لا الخطبة حتى ... زُفّت إليه و لم تكن تعلم يوماً أنها بدلا من أن تحتمى في ظله ستعيش في جحيمه . عرفت بعد فترة ليست بالكبيرة أنه ما تزوجها إلا لتكون واجهة إجتماعية رائعة له فهو رجل الأعمال ذو النفوذ و المال و يجب أن يصطحب زوجة جميلة مثقفة متعلمة كواجهة مشرفة ، و وراء هذه الواجهة هناك أخريات لسن بنفس مستواها فلا تصلح أيا منهن لموقعها لكن وجودهن في حياته ضروري لإضفاء المزيد من المرح و من باب التجديد و التغيير. تتجرع المر يوميا و هي تراه يخونها بكل شكل و تحت مختلف المسميات : صداقة ، زمالة، عمل، شراكة ... و ليس لها من الأمر شيء . فإن اعترضت يثور عليها و يحطم كل ما تطاله يده ويتهمها بالجنون و الشك المرضي و يهددها باحتجازها بمصحة للأمراض النفسية ..تطالبه بالطلاق و ليفعل ما يشاء و يعيش كيفما شاء،  فيسخر منها و يتركها ..فقدت معه كل احساس بالأمان و نسيت كيف يكون طعم السعادة ..حتى العمل حرمها منه " كيف لزوجة رجل مهم مثلي أن تعمل لدى أي من كان و تمد يدها في نهاية الشهر لتحصل على راتب؟؟الموضوع محسوم".....

تستمر الأغنية " ما تغميش ،، ما تبكيش أنا ما قالهالي حتى واحد " تبكي بحرقة فلا أحد يساندها .. الأهل يعتبرونها مجنونة " ألا يعود إليك في النهاية؟؟ هي فقط نزوات و ستنتهي، عموما الخطأ خطأك فلو ملأتِ عينيه لما نظر للأخريات.. لست ابنتنا إن نطقتِ بكلمة الطلاق مرة أخرى.. لقد تحملنا تأخر زواجك لكن لن نتحمل أن تحملي لقب مطلقة و لن نتقبل أن تتحولي لقصة يتناقلها الجميع ". يمر يومها بمفردها بين أركان بيتها الكبير .. تسهر تنتظره ربما يعود لها مبكرا هذه الليلة، ربما يتغير، ربما يشعر بها، تغفو و هي غارقة في أحلامها، تصحو على صوته عائدا و قد أوشك الصبح على الطلوع يفوح منه خليطٌ من الروائح و يغطي وجهه و ملابسه طلاء شفاه إحداهن .. يلقي بنفسه على السرير و يغط في نوم عميق ...

فجأة ينطلق صوت فيروز كلحن سماوي كيدٍ امتدت لتربت على قلبها" في أمل إيه في أمل "و كأن مصباحا أضاء بداخل عقلها .. مؤكد هناك أمل .. تهدأ قليلا .. تمسح دموعها .. تبدأ باستعراض الموقف بشكل عام بنظرة شاملة .. الأهل يرفضونها و حياتها معه مستحيلة عليها أن تجد ملجأ آخر .. عصف ذهني و مزيد من البحث و التفكير ... يساعدها الصوت الفيروزي بمزيد من الأفكار"يمكن أنا مش هيي البنت اللي مفكر فيي.. بس شي إني راح  فل راح تتندم عليي.. ويا سلام علي بكرا يا سلام.. يا سلام من هلأ يا سلام.رح تخلص ولا بد ما بينوضعلها حد".تصرخ بحماسة" وجدتهااا، الدراسة هي الحل" .. هي حاصلة على درجة الماجستير .. كان حلمها أن تكمل تعليمها في الخارج .. بدأت بحث مكثف عن منح دراسية في الخارج.. مضت الأيام و هي تُعِدُّ أوراقها و تقدم طلبات إلتحاق و ترسل سيرتها الذاتية و تجتاز اختبارات مطلوبة.. قدمت لكل المنح المتاحة المناسبة لها.. يمر الوقت .. تستيقظ كل اليوم باكرا و يمضي يومها بين متابعة بريدها الإلكتروني و العمل على مزيد من طلبات الإلتحاق بمزيد من المنح الدراسية.

تستيقظ.. تفتح حاسوبها و تعلو منه الموسيقى مع صوت أنغام " مفيش حياة من غير أمل و مفيش أمل من غير حياة ، تقدر تقول إن الحياة هي الأمل " تذهب لتعد قهوتها و هي تتمايل و تدندن مع الإغنية.. تعود لتتفقد جديد بريدها الإلكتروني و هي ترتشف من فنجانها .. تصرخ بفرحة " أخيرااااااااااا .. فعلتهاااا" ..حيث وجدت رسالة أنها من المقبولين لمنحة دراسية و عليها أن تستعد و تنهي بقية أوراقها لتستعد للسفر.

الجزء التالي من الخطة .. بدأت مرحلة الضغط عليه ليُطلِّقها .. يعلو صوته و يبدأ في تحطيم الآنية . يُفاجأ بها تفعل مثله تماما .. يعلو صوتها و تحطم ما تطاله يدها من آنية .. تصرخ فيه " لقد غيرتني قسوتك و خيانتك فلم أعد تلك القطة الوديعة التي ستبكي كلما نهرتها .. أكرهك و أبغض كل ما له صلة بك و لا أريد سوى الخلاص " يقف مصدوما .. لا يجد ما يرد به.. ليلا و نهارا بشكل يومي تُكرر نفس السيناريو .. و لما ضاق ذرعا هددها بأنه لن يعطيها أيا من حقوقها .. تخبره برضاها .. يطلب منها أن توقع على تنازل عن كل حقوقها .. توافق... يتم الطلاق .يبقى الأمر سراً بقرارها ألا تخبر أيا من كان ..

تنزل لعدة أيام بأحد الفنادق .. تُنهي ما تبقي من أوراق ..ليلة السفر  تفقد القدرة على النوم من فرط حماستها و انتظارها للغد .. يعلو صوت غناء سعاد ماسي  من غرفتها "رانى رايحة ومانولّى.. ماتزيد تشوف خيالى ..من غدوة نهاجر لبلاد بعيدة..تفكر واش كنت نقولك.. بلاك إن روحت تخدملك .. من غدوة نقلب صفحة جديدة"

تسافر .. تنزل من الطائرة . تتنفس الصعداء كمن خرج لتوه من السجن ... تمر الأيام و يعرف أهلها بخبر طلاقها و سفرها .. تواجه الكثير من اللوم و الهجوم عليها و تَبرأهم منها كابنةٍ غير بارة .. تحاول أن تجد وسيلة ليفهمونها لكن بلا جدوى ... تمر الأيام .. تصحو على صوت هاتفها . المتصل أمها " كنتي على حق " ترد" ماذا تقصدين؟" تتحدث أمها بصوت متقطع" لقد وُجد طليقك مقتولا بالأمس و القاتل هي إحدى عشيقاته"..

تحسنت علاقتها بأهلها .. أكملت دراستها و حصلت على درجة الدكتوراه.. وجدت من يوافقها في الفكر و يجذبها حقا .. قابلته و تعرفت عليه في الجامعة جاء أيضا للحصول على درجة الدكتوراه .. تقبل كلاها الآخر بكل ما فيه .. اجتمعا على ثقة و حب و تفاهم و صراحة.. تزوجا . يوم زُفّت إليه عرفت معنى سعادة العروس ليلة عرسها.. عرفت الفرق بين الحياة في جحيم أشباه الرجال و الحياة في أحضان حبيب  .. بدأت حياتها من جديد .. وجدت الأمان الذي كانت تحلم به ..

 أمان من اختيارها . أمان حقيقي.. كلما نظرت للوراء تشعر و كأن حملاً أُزيل عن قلبها .. تبتسم و تدندن " في أمل إيه في أمل ". 

2 comments:

  1. حلوووووووووووووووووووووة مووووووووووووووووت

    ReplyDelete